اللامركزية
والنجاعة الاقتصادية: من المفهوم النظري إلى التجارب الدولية وآفاق التطبيق في
تونس
تُعدّ
اللامركزية اليوم من أكثر المفاهيم تداولاً في النقاشات الاقتصادية والسياسية، لا
بوصفها مجرد خيار إداري، بل باعتبارها تصورًا مؤسسيًا جديدًا لإدارة الدولة، يقوم
على إعادة توزيع السلطة والقرار من المركز إلى المستوى المحلي والجهوي. وقد ارتبط
هذا المفهوم في الأدبيات الحديثة بفكرة النجاعة الاقتصادية، أي القدرة على تحقيق
أفضل النتائج بأقل كلفة ممكنة، من خلال حسن تخصيص الموارد، وتسريع القرار، وربط
السياسات العمومية بالحاجات الفعلية للمواطنين.
أولًا:
مفهوم اللامركزية وعلاقتها بالنجاعة الاقتصادية
اللامركزية
تعني نقل جزء من السلطة والصلاحيات والمسؤوليات من الحكومة المركزية إلى هيئات
محلية أو جهوية منتخبة أو مستقلة نسبيًا. وهي ليست نموذجًا واحدًا، بل تتخذ
أشكالاً متعددة:
- لامركزية إدارية: تفويض تنفيذ السياسات
للجهات.
- لامركزية مالية: تمكين الجهات من موارد
مالية وضرائب محلية.
- لامركزية سياسية: تمكين الجهات من سلطة
تقريرية عبر مؤسسات منتخبة.
العلاقة بين
اللامركزية والنجاعة الاقتصادية تقوم على عدة أسس نظرية:
- قرب القرار من الواقع: السلطة المحلية أدرى
بحاجات مواطنيها الاقتصادية والاجتماعية، ما يجعل القرار أكثر واقعية وأقل
تبذيرًا للموارد.
- تقليص البيروقراطية: نقل القرار إلى المستوى
المحلي يقلل من طول السلسلة الإدارية ومن كلفة التأخير.
- تحسين تخصيص الموارد: كل جهة تحدد أولوياتها
حسب خصوصياتها الاقتصادية.
- تعزيز المحاسبة: حين يكون المسؤول قريبًا من
المواطن، تصبح المساءلة أكثر مباشرة وفعالية.
- خلق التنافس الإيجابي بين الجهات: كل جهة
تسعى لتحسين مناخ الاستثمار والخدمات لجذب النشاط الاقتصادي.
بهذا المعنى،
اللامركزية ليست فصلًا تامًا بين السياسي والاقتصادي، بل هي فصل وظيفي: أي تحييد
الاقتصاد المحلي نسبيًا عن الصراعات السياسية المركزية وجعله مجالًا للإدارة
العقلانية والتنمية العملية. التنمية الطيبة.
ثانيًا:
تجارب دولية في اللامركزية والنجاعة الاقتصادية
1-
التجربة الأوروبية (ألمانيا، سويسرا، الدول
الإسكندنافية) : في هذه الدول، اتبعت اللامركزية بطريقة عميقة ومؤسسية حيث امتلكت السلطات
المحلية ميزانيات قوية و صلاحيات واضحة في التخطيط الاقتصادي والبنية التحتية
والخدمات.كما تمتعت بشفافية عالية ومحاسبة صارمة.وأدى هـذا الى تنمية إقليمية متوازنة
نسبيًاوجودة عالية للخدمات واستقرار اقتصادي طويل المدى ونجاعة في صرف المال
العمومي.
وعموما هذه
التجربة تُظهر أن اللامركزية الديمقراطية عندما تقترن بإدارة محترفة وموارد مالية
كافية، تتحول إلى رافعة حقيقية للنجاعة الاقتصادية.
·
2- التجربة الهندية : الهند اعتمدت لامركزية
تدريجية خاصة في المناطق الريفية بمجالس محلية منتخبة تشارك في تحديد الأولويات ت و تركز على الخدمات الأساسية.وكانت النتيجة واضحة في تحسن نسبي في
التعليم والصحة والبنية التحتية.وتقليص بعض الفوارق الاجتماعية.
لكن:
- ضعف القدرات الإدارية في بعض المناطق حدّ من
الفعالية الاقتصادية الكاملة.
- 3- التجربة البرازيلية: و تُعرف بتجربة
“الميزانية التشاركية”:حيث يشارك
المواطنون مباشرة في تحديد أولويات الإنفاق المحلي.وكانت النتيجة
تحسين توجيه الإنفاق الاجتماعي.و نجاعة
أفضل في المشاريع القريبة من المواطن.
·
-4 التجربة الصينية تعتبر الصين حالة خاصة
لأنه لا توجد لامركزية سياسية ديمقراطية.لكن هناك لامركزية اقتصادية وإدارية
قوية.ومع ذلك فان الجهات تملك هامشًا واسعًا في جذب الاستثمار،وإنشاء مناطق
اقتصادية،وتطوير البنية الصناعية.والنتيجة
أدت الى نمو اقتصادي سريع جدًا.مع تفاوت جهوي كبير.وغياب المساءلة الديمقراطية.في ظلل
تركيز السلطة السياسية في المركز.
الصين تُثبت أن
اللامركزية الاقتصادية يمكن أن تكون محركًا للنمو حتى في أنظمة غير ديمقراطية،
لكنها في المقابل لا تضمن العدالة الاجتماعية.
ثالثًا:
ماذا نستفيد من هذه التجارب؟
التجارب
العالمية تُظهر حقائق أساسية:تتمثل في أن اللامركزية تنجح اقتصاديًا حين تكون:مصحوبة
بصلاحيات حقيقية،وموارد مالية مستقلة،وقدرات إدارية محلية قوية.
إذن، النموذج
الأمثل ليس تقليد دولة بعينها، بل تركيب نموذج يناسب السياق الوطني.
وان تونس بعد الثورة واجهت معضلة واضحة تمثلت في أن التحرر سياسي لم يتبعه تحرر اقتصادي حقيقي.لعدة أسباب منها استمرار مركزية
القرار الاقتصادي.وضعف قدرة الجهات على تقرير مصيرها التنموي.
وبالتالي فان اللامركزية
في تونس يمكن أن تكون أداة لتحويل شعارات الثورة إلى نظام اقتصادي عملي، إذا تحققت
الشروط التالية: نقل فعلي للسلطة الاقتصادية:للسلطة المحلية ليس فقط إدارة الشؤون
البلدية، بل:بالتخطيط الاقتصادي المحلي،وتشجيع الاستثمار،وإدارة مناطق صناعية
وتجارية،والتصرف في العقار العمومي المحلي.مع استقلال مالي نسبي بـموارد جبائية
محلية.وميزانيات واضحة ومستقرة.وقدرة على الاقتراض المراقب.وهـذا ما يعبر عنه بالتدبير الحر
وبذلك يكون الاقتصاد المحلي عن الصراع
السياسي المركزي:أي جعل التنمية المحلية مجالًا للتوافق التقني، لا للتجاذب
الإيديولوجي
ويمكن القول
اذن اللامركزية ليست مجرد إصلاح إداري، بل مشروع اقتصادي-سياسي عميق.بإعادة
تعريف للدولة من جهاز مركزي متحكم في كل شيء، إلى شبكة من الوحدات المحلية القادرة
على الإنتاج، والتخطيط، والمحاسبة.
في تونس
الجديدة اللامركزية يمكن أن تكون:وسيلة
لفصل النسبي بين السياسي والاقتصادي،وأداة لتحقيق النجاعة الاقتصادية،وترجمة
مؤسسية لشعارات الثورة: الشغل، الكرامة، والعدالة الجهوية.
وبهذا المعنى،
فإن بناء لامركزية اقتصادية ديمقراطية في تونس لا يمثل مجرد إصلاح دستوري أو
قانوني، بل يمثل انتقالًا حقيقيًا من دولة السياسة إلى دولة التنمية.
تعليقات
إرسال تعليق