التخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصاب الزكاة بالذهب أم الفضة؟

 

أ.د. علي محيي الدين القره داغي

رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

بسم الله الرحمن الرحيم

 

وصلتني عدة استفسارات واسئلة حول اعتبار الذهب نصاباً لنقودنا الورقية، وعروض التجارة، وأسهم الشركات، ونحوها.

 

فهل ما زال نصاب الذهب هو المعتمد في ظل ارتفاع أسعار الذهب حيث بلغت مبالغ عالية؟ وهل يمكن الاعتماد على نصاب الفضة، أو نحو ذلك؟

الجواب:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله، وصحبه، ومن تبع هداه الى يوم الدين..

وبعد:

فإن الزكاة وضع الله تعالى لها مقصدين عظيمين جامعين، وهما:

المقصد الأول: هو تحقيق التعبد الخالص لله تعالى، وذلك بتطهير قلوب الاغنياء من الجشع والطمع، وتطهير قلوب الفقراء من الحسد والحقد الاجتماعي، ونحو ذلك، لتتحق الأخوة الإسلامية المتكافلة فقال تعالى: ( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ) سورة

والمقصد الثاني: قضاء حاجات الفقراء، وتنميتهم، وإخراجهم من الفقر المدقع، ثم منه الى الكفاية، فتمام الكفاية، ويدخل في هذا البعد الاجتماعي كل ما يتعلق بالدعوة وفي سبيل الله ...

وهذان المقصدان يمثلان جكفتي ميزان الزكاة التي ذكرهما القرآن الكريم في قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} التوبة "103"

ومن هنا نتعرف أن الزكاة ليست ضريبة تفرض من الدولة، أو من الأقوياء لصالحهم، بل الزكاة نظام مالي تكافلي دقيق تراعي فيها حقوق الفقراء مع حقوق الأغنياء، ولمصالحهم جميعاً في الدنيا والأخرة، كما أنها لصالح المجتمع، والدولة أيضا.

ومن المعلوم أن نصاب معظم اموال الزكاة محدد بأحاديث ثابتة، مثل أنصبة الثروة الزراعية، والحيوانية، والذهب والفضة نفسيهما، وإنما الحديث حول عروض التجارة، ومستجدات العصر مثل النقود الورقية ونحوها.

*_والزكاة في عروض التجارة محل اتفاق حتى ادعى فيه اجماع السلف، قال ابن المنذر: " اجمع أهل العلم أن في العروض التي يراد بها التجارة الزكاة إذا حال عليه الحول" وبناء على ذلك نذكر آراء الفقهاء في نصاب عروض التجارة، فهل تقوم بالذهب أو بالفضة أو بغيرهما؟

للإجابة عن ذلك نقول:

إن عروض التجارة تقوّم بالقيمة يوم حولان الحول، وهذا محل اتفاق والذي اختلف فيه هو: هل تقوم بالذهب أو بالفضة أو بغيرهما ؟

حيث اختلف فيها الفقهاء على عدة آراء أشهرها: الرأي الأول: يقومها بما هو الأنفع للفقراء من الذهب، أو الفضة، أو غيرهما، وهذا رواية قوية عن أبي حنيفة. جاء في التجريد للقدوري (ت 428هـ): "... لأنا نقّوم العروض بما هو أنفع للمساكين، وقد يكون الأنفع في بعضها بالعين .. " واكده المرغيناني بقوله: " الزكاة واجبة في عروض التجارة إذا بلغت قيمتها نصاباً من الذهب، أو الورق ... يقومها

بما هو أنفع للمساكين، احتياطاً لحق الفقراء، عند أبي حنيفة رحمه الله..." وهذا رأي الحنابلة أيضا حيث ذهبوا الى أنها تقّوم بالأحظ للفقراء من الذهب أو الفضة ،

الرأي الثاني: يقومها بالنقد الغالب في البلد على جميع الأحوال، وهذا رأي محمد صاحب أبي حنيفة (رحمهم الله) وهذا عليه وجه للشافعية، وهو قول أبي اسحاق .

الرأي الثالث: يقومها بما اشترى به إن اشتراها بالنقود، والاّ قوّمها بالنقد الغالب في البلد، وهذا رأى أبي يوسف .

الرأي الرابع: يقومها بالنقد الذي اشتراه به مطلقاً، سواءً كان غالب نقد البلد، ام غير نقده، وهذا مذهب الشافعي .

الرأي الخامس: الاعتبار بالبيع، قال القرافي " فإذا قلنا بالتقويم فيقوّم ما يباع بالذهب، بالذهب، وما يباع غالباً بالفضة، بالفضة، لأنه قيمة الاستهلاك، فإذا كانت تباع بهما، واستويا بالنسبة للزكاة يُخيّر، والاّ ضمِن قال – أي ابن القاسم -:"الأصل في الزكاة الفضة، قُوّم بها"، وإن قلنا إنهما اصلان، فقال ابو حنيفة وابن حنبل: يعتبر الأفضل للمساكين، لأن التقويم لحقهم.

الراجح القوي

الذي يقتضيه الميزان هو القول بتقدير نصاب عروض التجارة، وكذلك نقودنا الورقية بما هو الأحظ والأفضل والأنفع للفقراء، ولكن مع رعاية شرط واحد، وهو أن لا يخرج التقدير به عن مقصد وضع النصاب في الشريعة، حيث إن مقصده هو الفارق بين الفقير المحتاج، ومن خرج عن دائرة الحاجة، ودخل في دائرة الغنى، وأن هذا الشرط لتحقيق العدالة الشاملة في الإسلام للأغنياء والفقراء، ولحماية

الأموال الصغيرة من تحمل أعباء مالية مثل الزكاة، لتكبر، وتصل الى حد النصاب، وقد ذكر العلاّمة الدهلوي في الحكمة في وجوب النصاب في كل جنس كلاما رائعاً يتلخص في أن ملك النصاب لمدة سنة يؤدي الى تجاوز حد الفقر، ويجعله مكتفيا لمدة سنة تقريباً.

بل إن الرسول (ﷺ) بيّن ذلك فقال:" إنما الصدقة عن ظهر غنى " والمقصود بالصدقة، الصدقة الشاملة للزكاة وغيرها، وقد ترجم الإمام البخاري: باب "لا صدقة إلا عن ظهر عنى" ثم روى بسنده عن النبي (ﷺ) قال:" خير الصدقة ما كان عن ظهر غني... " "، وروي أيضا مرفوعا بصيغة الجزم معلقاً بلفظ " لا صدقة الا عن ظهر غنى "

حيث تدل هذه الأحاديث بوضوح على أن الصدقة الواجبة (الزكاة) تبدأ مع الغنى، وأن من ملك النصاب طوال عام كامل (حال عليه الحول) فقد دخل في هذا العالم.

وبناء على ذلك، فإن جمهور العلماء المعاصرين اعتمدوا على نصاب الذهب وهو عشرون مثقالاً (دينارا) وهو يساوي حسب الأوزان المعاصرة (٨٥) غراماً من الذهب الخالص أي عيار (24) أي ,999% من الذهب.

حيث نظروا إلى أن قيمة (85) غراماً من الذهب الخالص في بداية عام1985م - 1990م في حدود (2000) دولار، ثم تراوحت في بداية 2000 م- 2023 م بين 3000 دولار الى 5000، أو 6000 دولار فالأمر معقول جداً، وفيه العدالة لصالح الفقراء، والأغنياء. ومن المعلوم أن نصاب الفضة (200) درهم هو يعادل ( 595 ) غراماً من الفضة الخالصة، فكان سعر أونصة الفضة في عام 1989م إلى عام (2022)يتراوح بين (5.50) دولار الى (6.00) دولار أمريكي أي أن سعر الجرام الواحد من الفضة الخالصة يتراوح بين (0.18 ) إلى (0.19) سنت أمريكي فلو ضربنا (595) غراماً وهو نصاب الفضة في (0.19) سنت = يكون الناتج (113.05) أي (113) دولاراً وخمسة سنتات، فهذا مبلغ زهيد لا يمكن ان يتحقق به الغنى، أو الحد الفاصل بين الفقر، والغني.

ولذلك لم يتم الاعتماد على نصاب الفضة في عروض التجارة، والنقود الورقية في هذه الفترة.

ويؤكد سلامة هذا الاختيار أن قيمة سعر الفضة - في عصر الرسول (ﷺ) كانت يساوي عُشر قيمة الذهب تقريباً، ولذلك كان نصاب الذهب عشرين مثقالا ( دينارا ) ونصاب الفضة( 200 ) درهم ، اي كل عشرة دراهم تعادل دينارا، فالمعادلة كانت دقيقة،وللسبب كانت الديّة ألف دينار، اي من الذهب وعشرة آلاف درهم من الفضة، نعم زادت في فترة بنسبة 20 % فبلغت (12,000) درهم ونقصت أيضاً بالنسبة نفسها، فكانت (8000) درهم، وهي نسب معقولة متحملة، أمّا أن يبلغ الفرق بينها إلى أضعاف مضاعفة، فعندئذ تخرج الفضة عن المعيارية والمعادلة، ولذلك لم يعتمد على نصابها في العقود الأخيرة.

أما في هذا اليوم 28/01/2026م فقد بلغت قيمة الجرام الواحد من الذهب الخالص عيار (24) :(647.73) ريالاً قطرياً ، وهذ يعني أن قيمة نصابه (85) جراماً من الذهب الخاص يساوي (55.057) ريالاً .

وهذا مبلغ كبير جداً، لذلك أرى من الضروري إعادة النظر في ذلك.

وأما سعر الجرام من الفضة الخالصة في هذا اليوم 28/01/2026م فكان (2.57) دولاراً فلو ضربناها في (595) جراماً يساوي (1529) ، دولاراً وهي تعادل ( 5580) ريالاً قطرياً وهذا المبلغ أقل من قيمة النصاب في الإبل : خمس جمال حيث قيمتها في حدود (20.000) ريال ، و(40) شاة في حدود (40.000) ريال ، و(30) بقرة في حدود (180.000) ريال ، ولكنه من حسن الحظ أكثر من قيمة نصاب القمح الذي هو القوت الغالب في معظم بلاد المسلمين ، بل معظم بلاد العالم وقد حسبنا معدل قيمة 670 كيلو من القمح في قطر طوال عام 2025م في حدود(2000) ريال فقط ، وهذا أقل من قيمة نصاب الفضة ، وهذا يدعم التوجه نحو نصاب الفضة.

ولذلك نرى من خلال هذا العرض المفصل أن المعتمد من هذا العام الهجري (1447هـ) وما بعده هو نصاب الفضة (5.580) خمسة آلاف وخمس مئة وثمانون ريالاً قطرياً ، وما يعادلها بالدولار الأمريكي (1529) دولاراً أمريكياً .

ومن المعلوم فقهاً أن حسبة زكاة عروض التجارة تبدأ بالخطوات الآتية: -

أولاً: حسبة جميع النقود، والذهب والفضة بقيمتها يوم حولان الحول، (قال ابن قدامة: " يُضم الذهب والفضة إلى بعضهما إلى بعض، ويكمل به نصابه"

ثانياً: وحسبة جميع السلع المعروضة المعروضة للبيع بقيمتها السوقية إن كانت تباع جملةً فسعر الجملة، وإلا فسعر المفرد.

ثالثاً: حسبة جميع الديون المرجو أداؤها للتاجر.

رابعاً: خصم جميع الديون الخاصة بعروض التجارة.

ثم الباقي إن بلغ النصاب (5.580) ريالاً أو (1529) دولاراً وحال عليه الحول فتجب فيه الزكاة بنسبة 2.5% ، وإلا فلا تجب الزكاة.

إذا نصاب عروض التجارة، والنقود الورقية هو ما يعادل (5.580) ريالاً أو (1529) دولاراً أمريكياً.

ومن المهم أن هذه الحسبة بناء على قيمة الفضة اليوم، فلو تغيرت قيمتها فلا بد أن يلاحظ ذلك التغير.

هذا والله أعلم بالصواب فهو المرجع والمآب وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

كتبه الفقير إلى ربه

أ.د. علي محيي الدين القره داغي

غرة شعبان 1447هـ - الموافق 03/02/2026 م

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

النمو الاقتصادي الطيب

    مقدمة : عند الحديث عن تعريف   الدول وتقييم مستواها يقع الحديث عن مصطلح   النمو   أو التقدم فنقول دولة متقدمة أو دولة ذات نمو عال أو دولة كبرى أو دولة عظمى. ويختلف الأمر حسب الفضاء الذي نتحدث فيه وحسب المختص الذي يصف هكذا وضعا. فعند استحضار مقياس استقلال الدول   وتحرر   قراراتها السياسية والاقتصادية , تكون الدولة متقدمة إذا امتلكت صناعة أسلحتها و تفوقت في تقنياته وكانت قادرة على الدفاع عن نفسها . وإذا استحضرنا مقياس المعرفة والتكنولوجيا نقول   دولة   متقدمة إذا امتلكت التكنولوجيا الحديثة والقدرة على صناعتها وتملكها . وإذا استحضرنا مقياس السيادة والتحرر نقول دولة متحررة اذا امتلكت ثرواتها وتمارس السيادة عليها .وكذلك إذا كان الدين الخارجي اختيارا وليس اضطرارا بحيث لا يخضع   للإملاءات من الجهات المقرضة.وفي المقابل نقول دولة متخلفة   أو فقيرة أو الاثنين معا ونقول دولة نامية   أي في طور النمو خاصة إذا كانت مؤشرات النمو في تحسن مستمر . ولكن المصطلح السائد هو مصطلح النمو خاصة إذا كان المطلوب هو المقارنة بين الدول أو مق...

الأستاذ حبيب غربال ينقل التجربة التونسية في مجال الصيرفة الإسلامية بجامع...

https://youtu.be/QeUV1GPT0AY?si=l_4Enk_82iVh6Y1O