يشهد موضوع التخزين
في تونس جدلاً واسعاً خلال الفترة الأخيرة، خاصة بعد تكرّر مداهمات لمخازن عديدة
بهدف محاربة الاحتكـار والمضاربة.
ولكن
المعروف أن إنّ التخزين يظلّ أداة اقتصادية أساسية إذا مورِس في إطاره المشروع،
حيث يساهم في استقرار الأسعار وضمان التزويد المنتظم للأسواق وحماية المنتجين
والمستهلكين على حدّ سواء.
هذا التداخل
بين التخزين كحاجة اقتصادية وبين التخزين كسلوك احتكاري جعل الموضوع في صدارة
النقاشات الاقتصادية والسياسية، وطرح تساؤلات حول حدود المشروعية، وأهمية تطوير
سياسات تخزين عصرية وعادلة، خصوصاً في قطاعات حساسة مثل الحبوب والزيوت.
رأي الـفـقهـــاء
يرى ابن خلدون أن الاقتصاد الطبيعي يقوم على المبادلة و دوران السلع.
أما التخزين فهو وظيفة اقتصادية،إذا كان لحاجة مشروعة لكن إذا تحوّل
إلى تعطيل لحركة السوق وإفقار للناس، فهو مضرّ بالعمران.
أما ابن عاشور فقد ميّز بين
التخزين المشروع و هو ما يقوم به الفلاح أو التاجر أو الدولة لضمان تزويد السوق
على مدار العام، أو لمواجهة الأزمات (مواسم جفاف، حروب...). و التخزين المذموم الذي هو حبس السلع لإحداث
ندرة مصطنعة، ورفع الأسعار بشكل يضر بالمستهلك.فيصبح الاحتكار
المذموم وابن عاشور لم يكتفِ بالنقل عن الفقهاء القدامى، بل أعاد صياغة مسألة
الاحتكار والتخزين في ضوء مقاصد الشريعة وظروف العصر الحديث. فرأى أن الاحتكار ظلم
اجتماعي واقتصادي، بينما التخزين المنظم ضرورة شرعية وسياسية لتحقيق الأمن الغذائي
والعدل. اعتبر أن التخزين المشروع من صميم السياسة الشرعية، بل هو واجب على الدولة
أن تنظّمه وتستثمر فيه.
أما العلامة الدكتور القرضاوي أوضح
أن التخزين جائز بل مطلوب إذا كان: لتحقيق أمن غذائي. و لتغطية مواسم الاستهلاك.أو لحاجة شخصية
أو أسرية.
ويصبح التخزين محرّم (احتكار)
إذا كان: لإحداث ندرة مصطنعة و لاستغلال حاجة الناس ورفع الأسعار.
تجربة التخزين الإيجابي بتونس.
التخزين هو في الأصل وظيفة اقتصادية
ضرورية في كل اقتصاد، لأنه يضمن توازن العرض والطلب بين المواسم (مثلاً: تخزين
القمح بعد الحصاد لضمان توفره طول السنة). ويساعد على استقرار الأسعار وعدم تقلبها
بشكل حاد. و حماية
الأمن الغذائي والطاقي عبر المخزون الاستراتيجي. وكذلك تمكين الصناعات من العمل بشكل متواصل
دون توقف بسبب نقص المواد الأولية. وبذلك يصبح التخزين خدمة للسوق والمجتمع.
و في قطاع الدواجن مثلا تدخلت
الدولة التونسية في العديد من المواسم عبر المجمع المهني المشترك لمنتوجات الدواجن
والأرانب حيث قامت بشراء كميات كبيرة من
لحم الدجاج من المنتجين بأسعار تضمن الحد الأدنى من الكلفة. ثم قامت بتخزين هذه الكميات في مخازن التبريد بهدف إنقاذ المربين من الإفلاس.
وذلك بـامتصاص الفائض من السوق. ثم إعادة ضخ الكميات المخزّنة لاحقًا في فترات نقص الإنتاج أو
ارتفاع الأسعار لتحقيق التوازن. والنتيجة ساعدت هذه السياسة على استقرار نسبي للأسعارو حماية المستهلك والمنتج
في نفس الوقت.
تسليط الضوء على انتاج زيت
الزيتون بتونس
هل تخزين الزيت هو عملية اقتصادية و
ضرورة لحماية المنتجين أم تدخل في باب الاحتكار المذموم؟
ان زيت الزيتون هو سلعة موسمية حيث
يتركز الإنتاج في فترة الجني (بين نوفمبر
– جانفي).
ولتونس طاقة إنتاجية كبيرة (من 150 ألف
إلى أكثر من 350 ألف طن في السنوات الجيدة).لكن طاقة التخزين محدودة، والنتيجة السلبية هو
أن الفلاح أو صاحب المعصرة يبيع مباشرة بعد الجني بأسعار منخفضة خوفاً من تلف
الزيت.وتعتبر الدولة عبر ديوان الزيت هي التي يمكن لها أن تكون
الرائدة فيما يخص إمكانيات التخزين (خزانات كبيرة ومعايير تصدير).
ولكن تشخيص الواقع خاصة في موسم
2024 بين عدم قدرة ديوان الزيت على تخزين الكميات المطلوبة الضرورية في تونس مما أضر بالقطاع لأنه حرم الفلاحين من فرصة
التفاوض على أسعار أفضل و ساهم في استمرار التصدير الخام بدل تسويق الزيت معبأً
ومرفوقاً بعلامة تونسية.
والسؤال المطروح هـل هـناك
تقصير من ديوان الزيت في استثمار عملية التخزين لإنقاذ الإنتاج ؟ بمعنى آخر هـل
تخلت الدولة عن دورها التعديلي ؟ واذا كان الأمر كذلك فهل أحضرت البدائل عند
الخواص.
للاجابة على هـذا الاشكال لابد من
تشخيص الوضع عبر المعطيات المتوفرة التي تدل على : أن تونس عندها طاقة إنتاجية
كبيرة (من 150 ألف إلى أكثر من 350 ألف طن في السنوات الجيدة).
كما وصل الإنتاج من زيت الزيتون في موسم 2024-2025 الى حوالي 340 ألف طن ويتوقع أن يفوق انتاج موسم
2025-2026 انتاج الموسم الفارط .
والذي عرف هو أن ديوان الزيت يُعلن
أن طاقته التخزينية من الزيت الذي يشتري من الفلاحين وأصحاب المعاصر تُقدَّر بـ 80 ألف
طن تقريبًا .
هذا يعني أن ديوان الزيت بمفرده
يملك طاقته التخزينية تعادل نحو 24 بالمائة فقط (إذا لم يستخدم الخواص التخزين).
وفي الحقيقة توجد دلائل معقولة على
أن هناك تقصيرًا جزئيًا في صيانة بعض خزانات ديوان الزيت، لا يشمل كل المخازن بشكل
موحّد، لكن في بعض الجهات مثل سيدي بوزيد، الحالة كانت سيئة جدًا حتى إن الخزانات
لم تُستخدم لعقود..
و طبعا يمكن القول إنه هناك مجال
كبير للتحسين، خصوصاً فيما يتعلق بــزيادة القدرات التخزينية المملوكة للديوان
ليتمكن من التدخّل بشكل أكبر أثناء الأزمات.و تحسين توزيع التخزين للمناطق وخاصة الداخليّة
منها لتقليل كلفة النقل والزمن.وكذلك تبسيط الإجراءات على الفلاحين والمنتجين
للحصول على التخزين من دون ضغوط مالية أو بيروقراطية كبيرة. مع مراقبة الجودة في التخزين بحيث لا يتلف
الزيت ويخسر قيمة.
والغريب في الأمر أن الدولة
التونسية تدعم الزيوت النباتية كزيت
الصوجا، عباد الشمس، الخ، وهي زيوت مائدة مستوردة أو مدعومة، بحوالي 339 مليون
دينار تونسي في السنة .
وفي هـذا الاطار هناك اقتراح (من الاتحاد التونسي للفلاحة
والصيد البحري) لنقل الدعم الموجّه حالياً إلى الزيوت النباتية نحو زيت الزيتون،
بهدف مساعدة الفلاح المحلي وتشجيع استعمال زيت الزيتون في المستهلك الداخلي.
الخــلاصــــة :التخزين هو أداة اقتصادية هامة إذا أُدار
بشكل صحيح، ويمكن أن يحمي المستهلك والمنتج على حد سواء من تقلبات السوق. ومثال
زيت الزيتون يوضح أن غياب التخزين الكافي يؤدي إلى خسارة الفلاح وربح الوسطاء،
بينما التخزين الفعال يمكن أن يكون وسيلة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي وضمان
التوزيع العادل.
تعليقات
إرسال تعليق