مـقــدمــة
الحرية الاقتصادية تُعدّ من الركائز الأساسية لأي اقتصاد حديث قادر على تحقيق
النمو وجذب الاستثمار وضمان العدالة الاجتماعية. وفي السياق التونسي، ورغم وجود
مؤسسات وقوانين داعمة للمبادرة الخاصة، إلا أن الواقع يُظهر قيودًا عديدة تعرقل
ممارسة هذه الحرية، سواء من خلال البيروقراطية الثقيلة أو سيطرة الدولة الدولة
واللوبيات على قطاعات حساسة.
غير أن معالجة هذا الإشكال لا تكون فقط عبر مقاربات اقتصادية وتقنية، بل
أيضًا من خلال مقاربة سياسية وقبل كل ذلك هناك ضرورة للتأصيل الشرعي الإسلامي للموضوع بأبعاده
الفقهية والمقاصدية .
الحرية الاقتصادية تعني تمكين الأفراد والمؤسسات من اتخاذ قرارات اقتصادية
(إنتاج، استثمار، تبادل، استهلاك) بأقل تدخل ممكن من الدولة، مع احترام القانون
والشفافية وضمان المنافسة العادلة.مع التأكيد على أهمية
الأسواق الحرة مع حماية الملكيات الخاصة.
وتتمثل حرية العمل في قدرة الأفراد على اختيار المهن التي يرغبون بها دون
قيود.كما تتمثل حرية الإنتاج في قدرة المنتجين على تحديد ما ينتجونه من سلع وخدمات
وكل هـذا مع سيادة القانون والاستقلال
القضاء في ظل حريات سياسية لتمارس دور الرقابة عبر مؤسسات محاربة الفساد.
وقد شجعت المدارس اللبرالية والكلاسيكية على الحرية الاقتصادية حيث اعتبر آدم
سميث أن الحرية الاقتصادية تؤدي إلى تحقيق
الكفاءة الاقتصادية والازدهار العام كما
يرى سميث أن الأفراد الذين يسعون لتحقيق مصالحهم الخاصة في السوق الحرة يساهمون عن
غير قصد في تحقيق الصالح العام.وبينت اللبرالية
أهمية تقييد دور الحكومة في الاقتصاد والتركيز على حماية حقوق الملكية
الخاصة وحرية التعاقد، مع إفساح المجال للسوق لتحديد الأسعار وتخصيص الموارد.
التشخيص: وضع الحرية الاقتصادية في تونس
تتمتع تونس
بموقع جغرافي استراتيجي بين أوروبا وإفريقيا وتمتلك رأسمال بشري متعلم ومتنوع خاصة
في التكنولوجيا والخدمات مما سمح بوجود قطاع خاص نشط رغم العراقيل و انفتاح
اقتصادي نسبي مع وجود اتفاقيات تجارية مهمة مع الخارج.ومع ذلك ظلت البيروقراطية
وتعقيد الحصول على رخص ممارسة النشاط الاقتصادي نقطة ضعف كبيرة الى جانب احتكار
بعض القطاعات من قبل لوبيات تمنع دخول أطراف جديدة لبعض الميادين أو تجعله أمرا
صعبا في بعض الأحيان مما أدى الى انتشار ظاهرة الأنشطة الموازية خارج الدورة
الرسمية للدولة.
التأصيل الشرعي
كتب ابن خلدون في المقدمة أن العمل البشري هو أصل
القيمة، وأنّ كل ما يُنتَج ويُستخرَج هو ثمرة جهد الإنسان وهذا قريب جدًا من فكرة
"حرية المبادرة" وارتباطها بالإنتاج.و شدّد أنّ كثرة الضرائب والمغارم تقتل روح العمل وتُضعف الإنتاج كما أشار
إلى أنّ التجارة والربح من النشاطات الطبيعية للإنسان، وأنّ تدخل السلطان فيها أو
احتكارها يؤدي للفساد. والخلاصة أن بن
خلدون لم يتحدث عن "الحرية الاقتصادية" كمفهوم ليبرالي حديث، لكن:ربط ازدهار العمران بحرية
الناس في العمل والتجارة.وحذّر من الضرائب
المفرطة وتدخل الدولة والاحتكار واعتبر أن الظلم الاقتصادي = خراب العمران
والدولة.
تطرق
العلامة يوسف القرضاوي رحمه الله للمبادرة
الفردية قائلا أن حرية التملك والعمل والاستثمار هي التي تدفع الناس للإبداع
والإنتاج، وأنها سنة الله في عمارة الأرض.ولكنه بين أن هذه الحرية مضبوطة بالشرع الذي حرم الربا والاحتكار والظلم أما
الدولة فلها دور تنظيمي و رقابي لا
تسلطي وأخيرا يضيف الدكتور القرضاوي رحمه
الله الى أهمية التكافل والعدالة الاجتماعية باعتبارها مكملة للحرية.
أما الشيخ
محمد الطاهر ابن عاشور رحمه الله فقد تناول موضوع الحرية الاقتصادية من زاوية مقاصدية،
أي ربطها بمقاصد الشريعة الكبرى: العدل، حفظ المال، رفع الحرج، تحقيق المصلحة. وأبرز ما ذكره في هذا المجال هو أن الأصل في المعاملات الاقتصادية
هو الحرية والإباحة، إلا إذا جاء نص بتحريم.معنى ذلك أن للإنسان حرية التملك، البيع، الشراء، والاستثمار، لكن بشرط أن لا
يُهدر المال أو يُكتسب بطرق محرمة.مؤكدا أنّ الحرية
الاقتصادية لا تعني الفوضى، فكل ممارسة تؤدي إلى الإضرار بالناس (الاحتكار، الغش،
الربا) تُمنع لأنها تُخالف مقصد العدل.و دعا إلى دور محدود للدولة: التنظيم وحماية المصلحة العامة، دون التدخل في حرية الأفراد إلا للضرورة.
وملخص القول
ان مطلب الحرية الاقتصادية ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة ملحّة لتحقيق النمو و جذب
الاستثمار و إرساء العدالة الاجتماعية . و التشخيص السابق يبين وجود عراقيل عديدة مرتبطة
بالبيروقراطية، الاحتكار، والفساد، ومع ذلك فان الحلول متاحة من خـلال إصلاحات قانونية وإجراءات
شجاعة ومبادرات قوية وسريعة إدارية وهيكلية.
أما من
منظور شرعي، فالحرية الاقتصادية متجذرة في التصور الإسلامي، إذ أقرها الإسلام
كأصل، ووضع لها ضوابط لحماية المستهلكين
والمنتجين معا من الاستغلال والظلم والغبن والاذعان والغرر وعليه ، فإن تعزيز
الحرية الاقتصادية في تونس ينسجم تمامًا مع مقاصد الشريعة الإسلامية في حفظ
المال، رفع الحرج، وتحقيق العدالة، ويشكل خطوة محورية نحو تنمية طيبة شاملة
ومستدامة.
الإصلاحات الممكنة لتعزيز الحرية
الاقتصادية
في معظم
البلدان، لا تُستوجب موافقة الدولة إلا لممارسة أنشطة محددة متعلقة بمسائل تهم
الصحة العمومية أو الأمن أو احترام البيئة. لكن في تونس، تظل مثل هذه الموافقة هي
القاعدة المعمول بها. "يُعلل ذلك عموما بحماية المواطن والمستهلك وضمان جودة
المنتجات والخدمات. غير أن ذلك يؤدي في الواقع إلى عرقلة الاقتصاد وتعزيز هيمنة
الاقتصاد الريعي ولهذا فان نظام الرخص يجب أن يراجع مراجعة جذرية بسن قانون شامل لـ
حرية المبادرة الاقتصادية بحيث
يصبح لكل مواطن الحق في مزاولة أي نشاط غير محظور صراحة.
ويكون ذلك
باحداث آليات سريعة وواضحة للوصول للهدف :
على مستوى التشريعات يجب :
مراجعة مجلة
الاستثمار وتبسيط القوانين.
إلغاء أو
تبسيط الرخص غير المبرّرة (مثل رخص التجارة،وبعض المهن الحرة).
بل الغاء
مبدا الرخص تماما وتعويضه بتصريح بسيط أ, كراس شروط ميسرة ولا تشمل القوانين
والتشريعات الا الأنشطة الممنوعة أو التي يجب أن تحتكرها الدولة مثل أمور السلاح
والأمن أو التي تتطلب مواصفات معينة مثل قطاع الصحة أو انتاج المواد الغذائية وكل
ما يتعلق بالغذاء والتغذية لما لها من تأثيرات على صحة الناس.
هـذا وقد
شهدت تونس في عدة مناسبات توجها نحو تبسيط
إجراءات الحصول على الرخص وتخفيف القيود ولكنها دون المطلوب ومحدودة بال في بعض الأحيان يقع تعويضها بكراس
شروط لا تقل تعقيدا و صعوبة من الرخص .
لذلك لا بد
أن تكون الإصلاحات عميقة وجذرية وشجاعة ولا تتأثر بالاملاءات الخارجية بل تكون
وطنية صرفة حرة لتعزز السيادة الوطنية
تعليقات
إرسال تعليق